في الحنين إلى غريب

kebreet July 11, 2013 0

 

النهار 6/7/2013
بقلم نبراس شحيّد

 

1014000_476815615728953_287479464_n

 

في حدس الأغاني: حنينٌ إلى مجهول

تُفتتح التظاهرة بأغنية حمصية ليغوص الحشد شيئاً فشيئاً في إرهاق الوجد. تتكرر اللازمة، يهتف الجمع، يصفّق، يغنّي، وتردّد الحناجر كلماتٍ جريحة: “حانِن للحرية حانِن…”. للوهلة الأولى، تبدو كلمات الأغنية هذه عاديةً بديهية، لكنها تتجلى حين نتأملها فريدةً غريبة. تكمن غرابة الأغنية في المفارقة الأخّاذة: لم نذق طعم الحرية في ماضينا، لكننا نحنّ إلى الحرية هذه ونرغب في العودة إليها كأنها فصلٌ من فصول تاريخنا، وعنه اغتربنا! ليس الحنين شعوراً جارفاً نحو ماضٍ نعرفه، تقول الأغنية، فالحنين يتفتق من أصوات المتظاهرين المبحوحة حالاً جانحاً نحو المجهول: “حانِن للحرية حانِن”! يتجلى الحنين في الأغنية هذه انجذاباً غامضاً إلى حالٍ نجهلها، ليذّكر بعضنا، خصوصاً من أرهقهم الحب في زمن الثورة، بأغنية رحبانية قديمة: “أنا عندي حنين ما بعرف لمين!”. يستولي هذا الحنين علينا، تقول الأغنية، ليخطفنا من بين الساهرين معنا في رحلةٍ بعيدة نأمل في نهايتها التعرُّف إلى هوية من نَحِنُّ إليه، لكننا نفشل: “بيصير يمشّيني، لبعيد يودّيني، تأعرف لمين وما بعرف لمين”.
يدفعنا الحنين إلى ما لا نعرفه، تقول الأغنيات. يشدّنا إلى شخصٍ غريب التقيناه هنيهاتٍ مقتضبة، وبعدها رحل ليخلّف وراءه هوةً لا قاع لها. ننام، نستيقظ، نحلم به، تحاصرنا ذكراه، تزورنا في لحظةٍ اعتقدنا فيها عابثين أننا نسيناه. لقد رحل! ربما استشهد، لا نعرف! ربما نزح مع موسيقاه وسحره الغامض. لكننا نستمر في الحنين إليه، وإلى حريةٍ لم نعرفها إلا من بعيد. نفقد كل شيء من أجلها، ماضينا، حياتنا، أصدقاءنا. قمصاننا ممزقة، لكننا نشتهيها أنثى ثائرة، أو نشتهيه غجرياً مشعث الشعر. يمتصنا الحنين في لذة الرغبة ليجرفنا إلى مجهول. هذا ما تقوله الأغنيات!

 

599547_476815795728935_1237133915_a

 

في “ألم العودة”: حنينٌ إلى معلوم

حنين الأغنيات هذه شوقٌ إلى مجهول، أما الحنين الذي تعوّدنا عليه فحنينٌ إلى معلوم! يختلف الحنين الذي تنشده الأغنية عن شائع الحنين، فحنيننا السائد أقرب إلى الكآبة؛ نوعٌ من الانحباس في مرارة ذكريات نعرفها جيداً. يتجرّع الكثير من السوريين اليوم شيئاً من ألم هذا الحنين إلى معلوم؛ تتكثّف عواطفهم، خصوصاً حين ينزحون عن بيتٍ، عن أرضٍ، عن حبيبٍ أو حبيبة. تجتاحهم رغبةٌ عميقةٌ في العودة إلى ما كان، في الوقت الذي يعلمون فيه أن رحلة حنينهم لن تنتهي مع انتهاء نزوحهم، فالعودة المنشودة مستحيلة! لا يقتصر وجع الحنين هنا على الألم الحارق الذي يشدّنا إلى ماضٍ نعرفه ونرغب في العودة إليه، بل يمتدّ الألم ليشمل حالنا بعد العودة، فالدار صارت ركاماً بعدما دمّرتها الطائرة، والأحبة، أكثرهم، دُفنوا في مكانٍ ما، ودائرة الحقد انفسحت. هذا ما يقوله الواقع الأسود!
تعبّر كلمة “نوستالجيا” عن طبيعة هذه العودة المؤلمة التي ينشدها الحنين. هي كلمة مركّبة من لفظين يونانيين: “نوستوس” العودة، و”ألجوس” الألم. الحنين هنا هو “ألم العودة”، والألم هذا، مزدوج الطبيعة لأنه يبقى غير محدد زمانياً. هو أولاً ألمٌ يسبق العودة أو يرافقها؛ حالٌ من التمزق تستولي على الإنسان حين يرغب في العودة إلى حالٍ ما. لكنه ثانياً ألمٌ يتلو العودة؛ إنه ألم الإنسان حين يعي أن الواقع الذي إليه يعود يختلف عما يتمنى! هكذا، يتجلى الحنين من جهةٍ أولى علاقةً مع ماضٍ ابتعد فآلمني، فدفعني لاحقاً إلى العودة إليه. لكنه يظهر من جهة ثانية كألمٍ جديدٍ يعقب عودتنا إلى ما نحنّ إليه، وكأن العودة التي انتظرناها طويلاً ستبقى عاجزةً أمام داء الحنين. هكذا يرسم الالتباس الزماني الذي تخطّه كلمة “نوستالجيا”، طبيعة الألم المزدوجة التي تجتاحنا: حنيننا ليس محض علاقة مع ماضٍ معلوم يدفعنا إلى العودة إليه مجدداً، بل هو أيضاً تَصدُّعُ هذا الماضي حين يفشل في إخماد النار التي تكوينا، ولذا يمتد الحنين!

 

1044683_476815742395607_598915794_a

 

في دفاتر المجانين: خواطر على جدار

الحنين الذي يجتاحنا اليوم مزيج من حنينين: حنينٌ إلى معلوم نعرف أنه رحل وانقضى، ونعرف أن العودة إليه مستحيلة؛ وحنينٌ إلى مجهول غامض رأيناه يوماً من بعيد ليصير الموت أمامه رخيصاً: “إذا كان ثمن الحرية الكفن فهو معي” (خاطرة على جدار في مساكن هنانو). الحنين الأول ماضويٌّ كئيب يقلب وجودنا تقهقراً ونزوحاً إلى جنة لم تعد موجودة. أما الثاني فحنينٌ إلى حالٍ أو شخصٍ يحمل من سحر الغرابة ما يتيح له إعادة تشكيل ماضينا من جديد. ليس الماضي هنا معلوماً نودّ تكراره كما كان، بل يحمل في جوفه مجهولاً ساحراً تصير معه العودة إلى الماضي رحلةً إلى اللامتوقع. لذا تتجلى العودة إلى مجهولٍ سَحَرَنا في يومٍ مضى، أشبه بالرحلة إلى مستقبلٍ ما، فالمستقبل في الضرورة مجهول: “حانِن للحرية حانِن!”. نبحث في الحنين إلى المجهول عن أشياء، عن حالاتٍ، عن أشخاصٍ غرباء نحنّ إليهم، وأحياناً نختلقهم لنحنّ إليهم، فنحن مولعون بجمال المغامرة! إنه حنينٌ إلى شغف لحظةٍ فريدةٍ تدفعنا إلى اللعب مع واقعٍ أسود، لا بل إلى الرهان على حياتنا. إنه حنينٌ إلى حدس حفنة من الشابات والشبّان هتفوا لحريةٍ لم يتسنَّ لهم أن يعيشوها قبل أن يُقتَلوا؛ حنينٌ إلى حدس أطفالٍ من درعا خطّوا على الحيطان عباراتٍ يجهلون معناها، ربما. حيطانهم “دفاتر مجانين” يقول البعض، لكننا نحنُّ إلى جنونهم، إلى تلك الحرية التي لم نختبرها إلا قليلاً!

في تحدٍّ سافر لواقعنا الحاضر، خطّت فتاةٌ ما، مسّها جنونٌ ما، هذا الحنين الدرعاوي المجهول على أحد الجدران: “ستعود ثورتنا كما بدأت، وكما كان عزاؤنا بها حين خذلنا العالم، طاهرةً كأغطية الصلاة وصادقةً كدموع الثكالى والأرامل!”. وقّعت الفتاة باللون الأحمر: “اتحاد طلبة سوريا الأحرار”. إنها عودة إلى البداية، إلى تلك الصرخة الأولى التي دفعت بالكثيرين إلى المغامرة بحياتهم من أجل شغفٍ ما استولى عليهم ذات يوم. تتناسل الجنازات هنا وهناك، في الوقت الذي يرسم فيه شابٌ ما، لوحةً ما، على حائطٍ ما، هديةً لشخصٍ غريب التقاه يوماً قبل أن يرحل، وإليه يحنُّ. ينهي الشاب لوحته ليخطّ على الجدار دعاءً جديداً لم نعتد عليه في المساجد والكنائس: “اللهمّ أرسِل إلينا مجانين!”.

 

** اللوحات لإغون شيل

 

 

تعليقات

comments